ابن هشام الأنصاري
324
شرح قطر الندى وبل الصدى
وتقدير البيت : فأين تذهب إلى أين النجاة ببغلتي ؟ فحذف الفعل العامل في أين الأول ، وكرّر الفعل والمفعول في قوله : « أتاك أتاك » و « اللاحقون » : فاعل بأتاك الأوّل ، ولا فاعل للثاني ؛ لأنه إنما ذكر للتأكيد ، لا ليسند إلى شيء ، وقيل : إنه فاعل بهما معا ، وذلك لأنهما لما اتحدا لفظا ومعنى نزّلا منزلة الكلمة الواحدة ، وقيل : إنما تنازعا قوله : « اللاحقون » ، ولو كان كذلك لزم أن يضمر في أحدهما ؛ فكان يقول : أتوك أتاك ، على إعمال الأول ، وقوله : « احبس احبس » تكرير للجملة ؛ لأن الضمير المستتر في الفعل في قوة الملفوظ به ؛ أو حرفا ، كقوله : « [ 136 ] » - لا لا أبوح بحبّ بثنة ؛ إنّها * أخذت عليّ مواثقا وعهودا وليس من تأكيد الاسم قوله تعالى : كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ، وَجاءَ رَبُّكَ
--> - بعده بتقدير فإلى أين ، لم تكن قد أبعدت ، لكن الوجه الأول أقيس ؛ لأن عمل الجار محذوفا ضعيف « إلى أين » جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم « النجاة » مبتدأ مؤخر « ببغلتي » الجار والمجرور متعلق بالنجاة ، وبغلة مضاف وياء المتكلم مضاف إليه « أتاك » أتى : فعل ماض ، والكاف ضمير المخاطبة مفعول به « أتاك » تأكيد للسابق « اللاحقون » فاعل لأتى الأول « احبس » فعل أمر ، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت « احبس » فعل أمر فيه ضمير مستتر وجوبا تقديره أنت هو فاعله ، وهذه الجملة تأكيد للجملة السابقة . الشاهد فيه : قوله « أتاك أتاك اللاحقون » وقوله « احبس احبس » فإن في كل من العبارتين تأكيدا لفظيا ؛ فأما الأولى فإن « أتاك » الثانية ذكرت تأكيدا للأولى ولا فاعل للثانية ، ومن النحاة من زعم أن قوله « اللاحقون » تنازعه كل من العاملين ، وهذا غير صحيح ؛ لأن باب التنازع يقتضي أن يعمل أحد العاملين في المعمول المذكور ، وأن يضمر في المهمل المعمول ؛ فكان يقال على إعمال الأول « أتاك أتوك اللاحقون » وعلى إعمال الثاني « أتوك أتاك اللاحقون » فلما لم يقل أحد هذين التعبيرين تبين أنه لم يجر على سنن التنازع ، ولا يذهب عنك أن هذا التقرير جار على المختار عند البصريين ، وأما الثانية فإن قوله « احبس » الثاني فعل أمر فيه ضمير واجب الاستتار ، وهو مع ضميره تأكيد للفعل الأول مع ضميره ؛ فهو تأكيد جملة بجملة تأكيدا لفظيا . ( [ 136 ] ) - هذا البيت ينسب إلى جميل بن عبد اللّه بن معمر العذري ، وإنما الصواب أنه لكثير عزة ، وذكر بثنة فيه سهو ، وقد ذكره المؤلف في أوضحه ( رقم 404 ) . اللغة : « أبوح » مضارع باح بما في نفسه ، إذا أظهره للناس « مواثقا » جمع موثق ، وفي التنزيل من الآية 66 من سورة يوسف : حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ ، والموثق : العهد الذي توثق به كلامك وتؤكد به التزامك « وعهودا » جمع عهد ، وهو بمعنى الموثق والميثاق . -